الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
405
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وغير ذلك من العبادات الظاهرات ، قال في فتح الباري : معنى النفي في قولهم « لا رياء في الصوم » أنه لا يدخله الرياء بفعله ، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول ، كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم ، فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية ، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار ، بخلاف بقية الأعمال ، فإن الرياء يدخلها بمجرد فعلها . انتهى . وعن شداد بن أوس مرفوعا : « من صام يرائى فقد أشرك » « 1 » . رواه البيهقي . وقيل : لأنه ليس للصائم ونفسه فيه حظ . وقيل : لأن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب تعالى ، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه ، قال القرطبي معناه : أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم ، إلا الصيام فإنه مناسب لصفة من صفات الحق ، كأنه تعالى يقول : إن الصائم يتقرب إلىّ بأمر هو متعلق بصفة من صفاتى . أو لكون ذلك من صفات الملائكة ، أو لأنه تعالى هو المنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته ، بخلافه غيره من العبادات ، فقد أظهر سبحانه بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها ، ولذا قال في بقية الحديث : « وأنا أجزي به » وقد علم بأن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى ذلك سعة العطاء ، وإنما جوزي الصائم هذا الجزاء لأنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده . والمراد بالشهوة في الحديث شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب ، ويحتمل أن يكون من العام بعد الخاص ، لكن وقع في رواية عند ابن خزيمة « يدع لذته من أجلى ، ويدع زوجته من أجلى ، وأصرح منه ما روى « من الطعام والشراب والجماع من أجلى » . وللصيام تأثير عجيب في حفظ الأعضاء الظاهرة ، وقوى الجوارح الباطنة ، وحميتها عن التخليط الجالب للمواد الفاسدة ، واستفراغ المواد الرديئة المانعة له من صحتها ، فهو من أكبر العون على التقوى ، كما أشار إليه تعالى بقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ « 2 »
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 4 / 125 ) من حديث شداد بن أوس - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) سورة البقرة : 183 .